أحمد بن محمد المقري التلمساني
67
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قد غلب غير حقير ، وهو الأولى بفخره ، وجلالة قدره ، وإن غلبه العدو لم يغلبه حقير « 1 » ، فيكون أشدّ للحسرة ، وآكد للفضيحة ، فوافق - رحمه اللّه تعالى ! - على ذلك واستحسنه ، وشكر عليه ، وخجل المعترض ؛ انتهى . وكان - رحمه اللّه تعالى ! - مبتلى بداء الأرق ، لا ينام من الليل إلّا النزر اليسير جدّا ، وقد قال في كتابه « الوصول ، لحفظ الصحة في الفصول » : العجب مني - مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلّف مثله في الطب ، وعملي ذلك - لا أقدر على مداواة داء الأرق الذي بي ، أو كما قال ، ولذا يقال له « ذو العمرين » ؛ لأنّ الناس ينامون في الليل وهو ساهر فيه ، ومؤلفاته ما كان يصنّف غالبها إلّا بالليل ، وقد سمعت بالمغرب بعض الرؤساء يقول : لسان الدين ذو الوزارتين ، وذو العمرين ، وذو الميتتين ، وذو القبرين ؛ انتهى . وسيأتي ما يعلم منه معنى الأخيرين . [ تعريف لسان الدين بالسلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج ، أحد ملوك بني نصر ] وقد عرّف - رحمه اللّه تعالى ! - بالسلطان أبي الحجاج في « الإحاطة » فقال ما حاصله « 2 » : يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر ، الأنصاري الخزرجي ، أمير المسلمين بالأندلس ، أبو الحجاج . تولّى الملك بعد أخيه بوادي السقائين من ظاهر الخضراء ضحوة يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة ، وسنّه خمسة عشر عاما وثمانية أشهر . أمّه أمّ ولد وكان له ثلاثة أولاد كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده ، وتلوه أخوه إسماعيل محجوره ، وثالثهم قيس شقيق إسماعيل . وذكر لسان الدين أنه وزر له « 3 » بعد شيخه ابن الجياب ، وتولّى كتابة سرّه مضافة إلى الوزارة في أخريات شوّال عام تسعة وأربعين وسبعمائة ؛ انتهى . وقد علم أنه وزر بعده لابنه محمد كما تقدّم ويأتي ، وأما إسماعيل بن أبي الحجاج فهو الذي تغلّب على الأمر ، وانتهز الفرصة في ملك أخيه محمد كما تقدّم ، وفيه وفي أخيه قيس حين قتلا يقول لسان الدين : [ الوافر ] بإسماعيل ثم أخيه قيس البيتين . وقد ذكر أيضا - رحمه اللّه تعالى ! - حكاية وفاة السلطان أبي الحجاج ما محصّله أنه
--> ( 1 ) هذا المعنى كثير الورود في شعر العرب وفي كلام امرئ القيس : فإنك لم يفخر عليك كفاخر * ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب ( 2 ) انظر الإحاطة ص 367 . ( 3 ) وزر له : كان له وزيرا .